في الأيام الأخيرة، أنهى تنظيم داعش
سيطرته على مدينة الموصل في شمال العراق، وهي إحدى مراكز النفط المهمّة في
البلاد المقسّمة والنازفة. بالإضافة إلى ذلك، فقد نجح مقاتلو داعش من
احتلال الحدود السورية العراقية وتعزيز قبضتهم على المكان، إلى جانب
النجاحات السابقة في جبهات الأنبار، نينوى وصلاح الدين. وحتى الآن فيبدو
أنّ الهدف التالي هو العاصمة بغداد. وكما يقول الجهاديون أنفسهم فهو لا
ينوون أخذ أسرى.
جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)
جيش الدولة الإسلامية في العراق والشام (AFP)
الأسود يعلو
ما هو هدف داعش النهائي؟ الرأي السائد
هو أنّ داعش تسعى إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية، إذ تستطيع من خلالها
أن تستأنف حربًا عالمية مقدّسة (الجهاد). وكما يبدو، فإنّ الطريق إلى
الخلافة الإسلامية الجديدة يمرّ، وسيمرّ، ببرك من الدماء. تشكل سوريا
العراق وبلجيكا البداية فقط، ومن المرجح أن نرى "ارتدادات" الحرب في سوريا
تنفجر في جميع أنحاء الشرق الأوسط، في أوروبا وربما أيضًا في دولة إسرائيل.
تقول التقارير المختلفة إنّ موجة
الاحتلالات قدّ أدّت إلى هروب جماعي للمسيحيين. ونقل أحد مواقع الأخبار
الإيرانية عن مقتدى الصدر، وهو أحد الزعماء الشيعة الكبار في العراق، ويدعو
المسيحيين والشيعة للاتحاد وإقامة قوات حماية تواجه داعش وتحمي الأماكن
المقدسة للمسيحيين والشيعة. كما ونشر الصدر رسالة كتب فيها أنّه مستعد
"لتأسيس وحدات سلام (بهدف) حماية الأماكن المقدّسة" والعمل بالتعاون مع
الحكومة العراقية برئاسة المالكي.
من المهم أن نفهم بأنّ ذلك ليس حادثًا
محلّيًا ينحصر في حدود العراق. إنّ سلسلة الأحداث تهزّ كلّ توازن القوى
الإقليمي وأكثر من ذلك. وتؤثّر الآثار الثقيلة حاليًّا وستؤثّر مستقبلا على
جميع دول الجوار، بما في ذلك الأردن، سوريا، دولة إسرائيل، إيران، الخليج
العربي، وبطبيعة الحال الولايات المتحدة وأوروبا.
ولا تريد أيّ من تلك الجهات التي
ذكرناها السماح للجهاديين بأن ينموا. فهناك تقديرات مزعجة بأنّ هذه الأوضاع
ستقرّب تحديدًا بين الولايات المتحدة وإيران، ومن المفترض أن يتم ذلك
التقارب تحت شعار مكافحة العدو السلفي الجهادي المشترك: ستسمح الولايات
المتحدة، التي لا ترغب بإرسال قوات لاحتلال العراق من جديد بالتدخّل
العسكري الإيراني، وبالمقابل تذيب الجليد أكثر في علاقتها معها. ومن ناحية
التهديد الواقع على الأردن، فهناك خطر بأن يحاول مقاتلو عناصر الإرهاب
بالتسلل إلى المملكة وتنفيذ عمليات إرهابية ضدّ أهداف مختلفة داخلها، أو
بدلا من ذلك، أن يشجّعوا ويحفّزوا العناصر المتطرّفة في الأردن لمواجهة
النظام والقوى الأمنية.
بالنسبة لإيران، فالوضع واضح تمامًا:
لا يجوز السماح لداعش والسُنة بالسيّطرة على مناطق استراتيجية في العراق.
وقد تمّ التعبير عن هذه الرؤية في كلام الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الذي
قال إنّ بلاده مستعدّة لدعم جهود الحكومة العراقية لقتال داعش والقبائل
السنّية في البلاد والتي تعارض الحكومة. ووفقًا لتقرير مجلة "الغارديان"،
فقد أرسل النظام في طهران نحو 2,000 مقاتل إلى العراق في الأيام الأخيرة،
من أجل قتال الجهاديين، وهي خطوة لم تصاحبها أيّ معارضة أمريكية، ممّا يجدر
ذكره.
شرق أوسط جديد. مرّة أخرى
إنّ السيّطرة العسكرية - المدنية
لداعش على مناطق مختلفة في أنحاء العراق، جنبًا إلى جنب مع ترسّخه في سوريا
خلال العامين الماضيين؛ تُكمّل في الواقع تجاوزًا إقليميّا يُلغي الحدود
القديمة، والتي فُرضت على سكّان الشرق الأوسط من قبل القوى العظمى
الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى. وفقًا لنشرة التنظيم نفسه، فإنّ
النجاحات الأخيرة في ساحة المعركة تبشّر بإلغاء اتفاقية "سايكس-بيكو"،
والتي تمّ توقيعها بين بريطانيا وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى
.وفي الخريطة التي تمّ إعدادها من قبل
‏Long War Journal‏، وهو مشروع تابع لـ "صندوق حماية الديمقراطية"، تظهر
داعش وهي تسيّطر حتى الآن على 22 بلدة ومدينة في أنحاء العراق، بالإضافة
إلى سبع بلدات ومدن في سوريا. جاء في أحد التقارير أنّ "تقدّم داعش الأخير
في شمال ووسط العراق يجعل المجموعة الإرهابية (داعش) تسيّطر على ما يقارب
ثلث البلاد". ويتمّ الاحتلال بينما ينهار الجيش العراقي، المموّل والمدرّب
من قبل الأمريكيين، تمامًا. انسحبت وحدات كاملة من الجيش العراقي من أمام
قوى صغيرة من الجهاديين. وقد جعلت المهانة رئيس حكومة العراق، نوري
المالكي، يتّهم جهات مختلفة في الجيش بـ "الخيانة" مدّعيًا أنّ المسؤولية
ملقاة على عاتق القوات الأمنية في البلاد وليس عليه.
قال البروفيسور عوزي رابي، وهو خبير
في الشؤون الإيرانية من جامعة تل أبيب، في مقابلة ببرنامج "لندن
وكيرشنباوم" (الأربعاء، 11 حزيران) إنّه من الممكن "أن نرسم في خريطة
افتراضية خطّا في الوسط فيه "شبكات" قوية لجميع الإسلاميين من حلب في سوريا
حتى الموصل وربما إلى الأسفل حتى بغداد.  [...] المالكي الشيعي يجلس في
بغداد، وبشار الأسد يجلس في دمشق، وفي المنتصف هناك نوع من الدولة
الافتراضية. إن البروفيسور رابي صادق تمامًا. ومع ذلك، يمكننا أن نضيف بأنّ
هذه الدولة ليست افتراضية؛ فسرعان ما تتحوّل الأراضي التي يسيّطر عليها
مقاتلو التنظيم إلى معسكرات تدريب ضخمة، يعيش فيها مئات الآلاف من
المواطنين. يُدعى أولئك للتجنّد في صفوف التنظيم واعتماد رؤيته الصارمة.
بالمقابل، يقوم التنظيم بتوفير حاجياتهم الأساسية ويحلّ مكان السلطات
الحكومية المختلفة.
ويدعم باحثون آخرون من مجال الإرهاب
العالمي هذا التوجّه في مقالهم، ويدّعون أنّ داعش تحوّلت إلى كيان ماديّ
ملموس يسيّطر على المنطقة الإقليمية الواقعة بين العراق وسوريا: "يشكّل هذا
الواقع الجديد تحدّيًا يتجاوز المشكلة الشائعة في الحرب على الإرهاب. ولم
تعد داعش الآن قائمة باعتبارها خلايا صغيرة يمكن تحييدها بـ (مساعدة) إطلاق
صواريخ وفرق كوماندوس صغيرة"، هكذا كتبوا. فلقد أصبحت داعش كيانًا
سياسيًّا حقيقيًا، حتى لو لم يكن معترفًا بها من قبل المجتمع الدولي. في
الواقع، تُذكّر داعش بتجسّدها الحالي نظام طالبان في أفغانستان أكثر من
تنظيم القاعدة
.